معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 739
فتحدّث اللّه عزّ وجلّ عنهم، معرضا عن مواجهتهم تصغيرا لهم، وتحطيما لما تصلّب من عنجهيّاتهم، فقال تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا: أي: أنطمست بصائرهم، وسلبت فطنتهم، ولم يروا بما لديهم من قدرات علم ومعرفة واستنباط.
أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وهم بعض مخلوقاته الكثيرة في الأرض.
قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي: في صفاتهم الذّاتيّة، ثمّ لا يكونون أمثالهم في صفاتهم السّلوكيّة الاختياريّة، بل سيختارون أن يكونوا مؤمنين مسلمين متّبعين رسول ربّهم.
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ: أي: أو لم يروا أنّ اللّه الّذي خلقهم، جعل لبقاء كلّ واحد منهم في الحياة الدّنيا أجلا تنتهي عنده حياته بالموت، فهم ليسوا خالدين في هذه الحياة حتّى يفتنهم الشّعور بالخلود عن إدراك الحكمة من خلقهم، وهي امتحانهم في ظروف الحياة الدّنيا، لمحاسبتهم، وفصل القضاء بينهم، ثمّ مجازاتهم على ما قدّموا في رحلة امتحانهم، وهذا الأجل المحتوم لا يشكّون فيه، إذ لا يتطرّق إليه احتمال الشكّ، أخذا من واقع حال كلّ من سبقهم من بشر وأحياء أخرى في الأرض.
الأجل: يأتي بمعنى غاية الوقت المحدّد لشيء ما، أو المأذون به، هذا المعنى هو المراد هنا كما هو ظاهر. ويأتي بمعنى الوقت المحدّد لحصول الشيء وابتداء زمانه. ويأتي بمعنى المدّة المحدّدة للشّيء والمحصورة بين أوّل وآخر.
لا ريب فيه: أي: لا يوجد فيه احتمال للشّكّ، فلا عذر لهم في الطمع في الخلود بهذه الحياة الدنيا.