معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 763
ثامنا: ومن بلاغيات السّورة الاستقطاع من أحداث الماضي
، أو من الأحداث التي سوف تكون في المستقبل، وتقديمها كأنّها تحدث عند زمن التكلّم، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ بيانا لما يقال للإنسان يوم القيامة:
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) :
جاءت هذه العبارة مستقطعة دون أن يصرّح في البيان أنّها تقال له.
تاسعا: من الاستعارة
ما يلي:
(1) قول اللّه عزّ وجلّ:
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ... (13) :
أطلق لفظ"طائر"في هذه العبارة على ما يكسبه الإنسان في رحلة امتحانه في الحياة الدنيا، على سبيل الاستعارة، لأنّ العمل ينطلق كالطّائر من الإنسان، فلا يستطيع استعادته، لكنّ مسؤوليّته عن عمله تبقى ملازمة له.
وأطلق العنق والمراد مناط المسؤوليّة داخل نفسه، وهذا مجاز مرسل علاقته اتّصال الظّاهر بالباطن، واختير العنق لأنّ الأسير يوضع الغلّ في عنقه لسوقه أو قيادته حتّى ينال ما قضي عليه به.
(2) وقول اللّه عزّ وجلّ تعبيرا عن قول إبليس بشأن ذرّيّة آدم يخاطب ربّه:
لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) :
في هذه العبارة استعارة مكنيّة، إذ شبّه إبليس ذرّيّة آدم عليه السّلام بالدّواب الّتي تطوّع للرّكوب والقيادة والسّوق، ولم يصرّح بلفظ الدّواب، بل جاء بشيء من خصائصها يدلّ عليها، وهو احتناكها لتطويعها.
يقال لغة:"احتنك صاحب الدّابّة دابّته"أي: وضع الحبل أو