معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 31
خاتمة رسالاته للنّاس أجمعين، جعل رسوله محمّدا خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل كتابه الّذي أنزله عليه خاتمة كتبه للنّاس أجمعين، وإذ كان هذا الكتاب آخر كتبه للنّاس، كان من الحكمة السّامية أن يحفظه من النّسيان والتّغيير والتّحريف والتّبديل والزّيادة والنّقص، فتدخّل قضاؤه وقدره بتهيئة وسائل حفظه بين النّاس، ولو عن طريق إرادات عباده المؤمنين، ولم يفعل مثل هذا الحفظ في النّاس لكتبه السّابقة، لأنّه لم يشأ أن يجعلها ذكرا للنّاس أجمعين، حتّى آخر أجيال النّاس في الأرض.
* قول اللّه تعالى خطابا لرسوله:
* وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) :
* شِيَعِ: جمع"شيعة"وهم القوم أو الجماعة من الناس الّذين يجتمعون على أمر ما- وكلّ قوم أو جماعة لهم أمر واحد هم متّفقون عليه، أو لهم مذهب واحد يسيرون عليه، أو لهم طريقة واحدة يتّبعونها، ولو لم يناصر بعضهم بعضا، ولو لم يكونوا في زمن واحد.
والمراد بعبارة: شِيَعِ الْأَوَّلِينَ جماعات الكفر والشّرك الّذين أرسل اللّه لهم رسلا من أهل القرون السّالفة، فاستهزؤوا بهم.
في هاتين الآيتين تسلية للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، في مقابل ما لقيه من استهزاء كبراء مشركي قومه، إذ كبر في نفوسهم أن يكون رسولا لكلّ العالمين، وأن يكون كتابه الّذي يتلوه عليهم ذكرا لكلّ العالمين حتّى آخر أجيال الناس في الأرض.
فأبان اللّه له أنّه ما من رسول من قبله إلّا كان كفّار قومه يستهزئون به وبدعوته، فهذا هو سلوك كفّار النّاس جميعا مع رسل ربّهم.
قول اللّه تعالى: