معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 55
أي: قال إبليس معترفا للّه عزّ وجلّ بربوبيّته: ربّ بما أنّك حكمت عليّ بالإخراج والرّجم واللّعنة إلى يوم الدّين، فأمهلني حيّا إلى يوم يبعثون، وقد كان يوم البعث للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، معلوما للجنّ والملائكة قبل خلق آدم، لأنّ الجنّ مخلوقون ممتحنين في ظروف الحياة الدّنيا قبل الإنس، ويعلمون أنّ الجزاء يكون بعد الموت والبعث منه، ومن اللّوازم الّتي تدرك بالعقل أنّ الجزاء لا بدّ أن يكون مسبوقا بالحساب وبفصل القضاء.
* فأعطى اللّه عزّ وجلّ إبليس بعض طلبه، ووعده بأن ينظره إلى ساعة إنهاء ظروف الحياة الدّنيا، وإماتة كلّ ذي حياة فيها، وجعله تبارك وتعالى من المنظرين إلى ذلك الوقت المعلوم له جلّ جلاله وعظم سلطانه، لا إلى يوم البعث.
* قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) :
أي: قال اللّه له: بعض ما طلبته مجاب، فإنّك من الأحياء المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، كجبريل، وإسرافيل، وميكائيل.
* ولمّا استوثق إبليس من إمهال اللّه له في الحياة الأولى إلى ساعة إنهاء ظروفها، أعلن عزمه على أن يعمل بكلّ ما أوتي من وسائل إغواء وإغراء وتزيين، لإغواء آدم ومن يخرج اللّه منه من نسل حتّى قيام السّاعة، إلّا من كان مخلصا أو مخلصا للّه.
* قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) :
قرئ: [المخلصين] بفتح اللّام، أي: الّذين تستخلصهم وتصطفيهم، فتعصمهم من الغواية، بسبب ما فطرتهم عليه من الكمال، لتؤهّلهم للنّبوّة والرّسالة، أو للنّبوّة فقط.