معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 69
هذا بيان صادر عن اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- إذ التقدير لا يكون من الرّسل من الملائكة، بل هم أدوات تنفيذ لقدر اللّه وقضائه.
لَمِنَ الْغابِرِينَ: كلمة"الغابر"تأتي في اللّغة بمعنيين:
الأول: الماكث الّذي لا يتحوّل.
الثاني: الذاهب الماضي الّذي لم يبق له وجود.
وكلا هذين المعنيين ينطبقان على امرأة لوط عليه السّلام، فقد جعلها اللّه تمكث في أرض قومها، بإهلاكها قبل أن تخرج منها وتفارق حدودها، وأهلكها اللّه مع قومها فذهبت مع الذاهبين منهم بالإهلاك الرّبّاني، ومضت مع الماضين، ولم يبق لها في أرضها وجود حيّ.
وهذا من استعمال اللّفظ في معنييه، وهو مذهب جمهور علماء أصول الفقه، وتشهد له نصوص قرآنيّة متعدّدة، وهو مظهر من مظاهر الإيجاز في القرآن المجيد.
قول اللّه تعالى:
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) :
دلّ هذا البيان على أنّ الرّسل من الملائكة الّذين جاءوا على صور شباب مرد حسان، مرّوا بآل لوط قبل أن يصلوا إليه، وعن طريقهم طلبوا مواجهته، فأذن لوط عليه السّلام بأن يدخلوا إليه، وعصى بذلك أوامر كبراء قومه، إذ سبق أن عزلوه عزلا اجتماعيّا، ونهوه عن أن يلقى أحدا من العالمين.
لقد عزّ عليه أن يرفض استقبال ضيوف من غير قومه نزلوا بساحته، وطلبوا الاجتماع به.
فلمّا دخلوا عليه وتفحّص وجوههم وألبستهم لم يعرف من أيّ قوم