معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 96
أي: فارفع صوتك يا محمّد بما تؤمر بتبليغه متابعا لما ننزّل عليك، وأعلنه إعلانا عامّا، ولا تقتصر على الدّعوة الإفراديّة في آذان المدعوّين.
في الصّدع معنى توجيه الدّعوة الصّريحة العلنيّة بقوّة تجعل النّفوس المتحجّرة المتصلّبة تنصدع، كما تنصدع الأواني الزّجاجيّة، أو كما تنصدع الحجارة فتتشقّق متأثرة بقوّة ما يصطدم بها، لكنّها تبقى متماسكة الاتّصال فلا تنكسر.
والصّدع بهذا المعنى كناية عن قوّة الجهر بالبيان المقرون بالحجّة المؤثّرة في النفوس والقلوب.
الصّدع: هو في اللّغة أصله الشّقّ في الشّيء الصّلب، كالصّخر، والزّجاج، والأرض، ويأتي الصّدع بمعنى الجهر والإعلان.
* قول اللّه تعالى لرسوله في الوصيّة السّابعة:
* وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) :
أي: وأعط عارضك للمشركين المعاندين المكابرين المصرّين على باطلهم، الّذين وصلوا إلى دركة اليأس من استجابتهم لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، واكتشفت هذا فيهم بعد معالجات كثيرات طوال سني دعوتك منذ بعثتك حتّى نزول سورة (الحجر/ 54 نزول) ووجّه عنايتك لآخرين غير ميؤوس من استجابتهم.
* وقد اتبع اللّه عزّ وجلّ هذه الوصيّة بمنّة امتنّ بها عليه، فقال تعالى له:
* إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) :
جاء عند محمّد بن إسحاق فيما ذكر ابن كثير، أنّ عظماء المستهزئين بالرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم خمسة نفر، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، وهم:
(1) -"الأسود بن أبي زمعة"وهو من بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ.