معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 152
ولعلّ في جمع"الظّلمات"إشارة إلى أنواعها القائمة على انعدام النّور منها، أمّا"النّور"فهو خلق من خلق اللّه بثّه في المضيئات، وشرفه من شرف نور اللّه، فاللّه نور السّموات والأرض.
وفي بيان أنّ الظلمات والنّور من جعل اللّه في كونه إشارة إلى فساد مذهب المجوس، الّذين يعبدون الظّلمة والنّور إلهين من دون اللّه.
* ... ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) : أي: ثمّ بعد وضوح الرّؤية الفكريّة ببراهينها الكونيّة المشهودة، الدّالّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ لا يساويه ولا يعدله شيء في الوجود كلّه، في أيّ صفة من صفاته جلّ جلاله وعظم سلطانه، يجعل الّذين كفروا آلهتهم معادلة مساوية للّه عزّ وجلّ، تستحقّ في تصوّرهم الباطل أن تعبد من دون اللّه.
يعدلون: أي: يسوّون. فيجعلون خلقا من خلق اللّه لا يضرّ ولا ينفع، ولا حول له ولا قوّة إلّا باللّه، أو أسماء لا حقيقة لها إلّا في أوهامهم، أشياء مساوية معادلة لمن خلق السّماوات والأرض، وجعل الظّلمات والنور.
هذا منهم ظلم عظيم شنيع للحقّ، وعدوان على حقّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، في ربوبيّته ووحدانيّتها، وفي إلهيّته ووحدانيّتها، وهو من عجيب الأمر الذي لا يصدر عن ذي عقل ورشد.
وفي هذه الآية إيذان بأنّ السّورة الّتي افتتحها اللّه عزّ وجلّ بهذه الآية، سيكون فيها معالجة للمشركين بما تقتضيه حكمة الرّبّ الحكيم من إقناع، وموعظة حسنة، وجدال بالّتي هي أحسن.
* قول اللّه تعالى خطابا للمشركين به على سبيل الالتفات:
* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) :