معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 153
في هذه الآية بيان عنوانيّ موجز لأربع قضايا:
القضيّة الأولى: دلّ عليها قول اللّه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي: من ماء وتراب على اختلاف عناصره من الأرض.
أمّا خلق جسد آدم من طين، فقد جاءت بشأنه بيانات قرآنيّة كثيرة، وهو من الأمور المبيّنة في كلّ ما أنزل اللّه من كتب، وعلى لسان كلّ المرسلين والأنبياء، منذ عهد آدم عليهم السّلام، فلا يجحدها جاحد، والتذكير بها يراد به الدّلالة على عظمة صفات الخالق البارئ المصوّر ذي الأسماء الحسنى، الذي هو على ما يشاء قدير، وهو الواحد في ربوبيّته لكلّ ما سواه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
وأمّا خلق زوجه وذرّيّاتهما فهم مخلوقون أيضا من طين تبعا له، ويضاف إلى هذه التّبعيّة، أنّ جسد كلّ واحد منهم مخلوق من طين تحوّل بخلق اللّه تبارك وتعالى إلى غذاء، فدماء، فنطف، فأجنّة، وكان نماؤها وبقاؤها مستمدّا من الغذاء الّذي هو طين متحوّل، إذا حلّلت عناصره، وعزل بعضها عن بعض عاد ترابا وماء، والطّين مرحلة من مراحل التكوين التّطويري.
فعبارة: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ عبارة منطبقة على الواقع دواما، منذ النّشأة الأولى للنّاس، وحتّى آخر مخلوق منهم.
القضيّة الثّانية: دلّ عليها قول اللّه تعالى: ثُمَّ قَضى أَجَلًا: أي: ثمّ أنهى بالموت أجلا كان قدّره وأمضاه لحياة كلّ إنسان سبقت له حياة في هذه الدّنيا، وهذا الأجل كان معيّنا معلوما للرّبّ الخالق، ويتحقّق فيكم نظير ما سبق للّذين ماتوا من قبلكم، وكذلك فيمن سيخلق من النّاس من بعدكم، إلى أن تقوم السّاعة، فسنّة اللّه في خلق النّاس واحدة.
وجاء العطف ب"ثمّ"للدّلالة على مدّة أجل حياة كلّ إنسان في هذه الحياة الدّنيا، حياة الامتحان.