معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 157
* أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) :
* أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ: أي: ألم يعلموا من أخبار المهلكين من كفّار الأمم السّابقة، أعدادا كثيرة أهلكناهم بذنوبهم وتكذيبهم رسل ربّهم، ورفضهم الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبّانيّة؟!
ألم يروا بأعينهم آثار كثير من هؤلاء المهلكين السّابقين؟!.
الاستفهام استفهام تعجيبيّ من أمرهم، ومن مبلغ انحرافهم الإجراميّ، وسقوطهم في أوحال الحماقة والجهالة واتّباع الهوى، على خلاف ما يقتضيه الرّأي السّديد، والعقل السّليم.
كَمْ هنا خبريّة واقعة موقع معمول أو معمولي الفعل في: يَرَوْا و"كم"اسم مبهم يحتاج تفسيرا بالتمييز، وهي تدلّ على عدد ما كثير.
مِنْ قَرْنٍ: يطلق القرن ويراد به من النّاس أهل زمان واحد، والعبارة هذه تمييز لإبهام"كم".
* ... مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ...:
التّمكين في الشيء: هو الإقدار على التصرّف فيه الموصل إلى تحقيق المطلوب منه، مع التّثبيت في مكانه، والقدرة على التّحرّك فيه بحرّيّة. وأصله مأخوذ من المكان والثّبات فيه، فالتّمكين في المكان إقدار عليه وعلى الثبات فيه، مع منح حرّيّة التّصرّف فيه.
والخطاب في: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ هو على سبيل الالتفات إلى خطاب المشركين، بعد الالتفات عن خطابهم في الآيتين (4) و (5) وجزء من الآية (6) أو هو خطاب للمؤمنين وعموم العرب إبّان التنزيل بغية