معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 158
التّعجيب من أحوال المكابرين المعاندين من مشركي أهل مكّة، وهذا هو الأجدر بالفهم فيما أرى.
ومن الّذين كانوا ممكّنين في الأرض أكثر من تمكين العرب إبّان التنزيل، وأهلكهم اللّه إهلاكا جماعيّا بذنوبهم، فرعون وملؤه وجنودهم، وقوم عاد، وقوم ثمود من قبل.
* وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا: أي: وأطلقنا لهم ماء السّحاب ينزل على أرضهم غيثا كثيرا غزيرا نافعا، في أوقات الحاجة. يأتي الإرسال بمعنى الإطلاق.
ذكر لفظ"السّماء"والمراد ماء السّماء بمعنى السّحاب. مدرارا:
أي: كثيرا غزيرا، يقال لغة:"سحاب مدرار"أي: كثير السّحّ.
حين يكون الماء بخارا ممتدّا في السّحاب يكون حبيسا مقيّدا في الجوّ، فإذا شاء اللّه إنزاله أطلقه من قيوده بوسيلة اللّقاح بما تحمل الرّياح من جسيمات صغيرات، كما سبق بيانه لدى تدبّر الآية (22) من سورة (الحجر/ 54 نزول) .
* وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ: أي: وأجرينا لهم المياه العذبة في الأنهار بعد إنزالها من السّماء، فهي تجري في مجاريها من الأرض، وهذه المجاري تقع بالطّبع تحت مستوى سطوح الأرض الكائنة في شواطئها الّتي يسكنونها ويبنون عليها مساكنهم، فهي تجري بهذا المعنى من تحتهم، لا من فوقهم ولا محاذية لمستوى ارتفاعهم إذا كانوا على سطح الأرض لا في أنفاق منها.
* فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ: أي: فأهلكناهم بسبب ذنوبهم العظمى إذ كفروا بآيات ربّهم، وكذّبوا رسله، وقاوموا دعواتهم، وكان إهلاكهم إهلاكا جماعيّا، بخوارق دالّات على القصد من إهلاكهم عقابا، ليتّعظ به أولوا الألباب.