معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 198
وهم بكلّ من النّهي الّذي يوجّهونه للنّاس، والنّأي الّذي يفعلونه، لا يجلبون لأنفسهم البقاء في سلطانهم وسيادتهم في قومهم، بل يعرّضون أنفسهم للهلاك العقابيّ في الحياة الدّنيا، قبل مجازاتهم يوم الدّين بعذاب خالد في الجحيم، وإذا قدّر اللّه وقضى أن يهلك في الحياة الدّنيا بعض الّذين لم يستجيبوا لدعوة الحقّ من أهل مكّة، فإنّه سيخصّ هؤلاء الأئمّة الضّالين المضلّين بالإهلاك، ولا يكون نهيهم ونأيهم سببا في إهلاك غيرهم، بل سيقتصر الإهلاك العقابيّ عليهم، فهم بعملهم الإجراميّ لا يهلكون إلّا أنفسهم، وهم ما يشعرون حين إهلاكهم أنّ إهلاكهم اقتصر عليهم، وهذا ما حصل فعلا بعد ذلك، وظهر جليّا في معركة بدر الكبرى، فقد أهلك فيها أئمّة الكفر والشّرك، وحمى اللّه من في قلوبهم خير ما من الإهلاك يومئذ، ثمّ دخل في الإسلام يوم فتح مكّة من كان في قلوبهم خير ما، حتّى أبو سفيان الّذي كان من أئمّة الكفر والشّرك قبل الفتح.
ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، بشأن الأسرى الّذين أسروا من أهل مكّة في غزوة بدر الكبرى، في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) .
فتكاملت النّصوص القرآنيّة المتعلّقة بدلالة قول اللّه تعالى في سورة (الأنعام/ 55) الّتي يجري تدبّرها: ... وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (26) :
"إن"حرف نفي بمعنى"ما".