فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 212
الفيزياء، براتب شهريّ يعادل ستّين دينارا ذهبيّا، وكان يهوى نظم الشّعر، فرفض الوظيفة ذات الرّاتب الشّهريّ العظيم، لينظم قصائد الشّعر الّتي إن جرّت ربحا، فلا يصل المكسوب بها إلى ثلاث دنانير ذهبيّة في الشّهر.
أَفلا يقال بشأنه: إنّه يلهو بنظم الشّعر، ويضيع على نفسه عملا هو مدعوّ إليه، وقادر عليه، يأخذ عليه راتبا شهريّا قدره ستون دينارا ذهبيّا.
هنا يظهر لنا أنّ أعمال أكثر النّاس لتحصيل مكسوبات من متاعات الحياة الدّنيا، زائدات عن حاجاتهم وحاجات أسرهم ومن هم مسؤولون عن الإنفاق عليهم، هي من قبيل اللّهو، لأنّها تشغلهم عن أعمال ذوات أجر عظيم خالد في آخرتهم، لا يعادل كلّ ما يجمعونه من الدّنيا ذرّة من ذهب أو شبه ذهب، في مقابل جبل عظيم من ذهب خالص من الشّوائب.
فالحياة الدّنيا معظم أعمال النّاس فيها لتحصيل متاعاتهم منها لعب ولهو، وبعضهم ذو جدّ زائد لتحصيل وجمع مكسوبات من أموال الدّنيا، فتكون أعمالهم من قبيل اللّهو أكثر من اللّعب.
وهؤلاء يناسب حالهم أن يقال بشأنهم: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ... (64) وهو ما جاء في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) بتقديم اللّهو على اللّعب.
وبعض النّاس تزيد غايات كدحهم لتحقيق مطالبهم من الحياة الدّنيا، فيكدحون للاستمتاع بالزينة، أو للتفاخر على غيرهم، أو للتكاثر في الأموال والأولاد.
* فمنهم من يكون شغوفا بزينات الحياة الدّنيا، فيكدح لتزيين نفسه، وأهله، وخدمه، وجنده، ودوابّه، ومراكبه، وقصره، وما يمتلك من منشآت ومؤسّسات، بزينات مختلفات من زينات الحياة الدّنيا.
الزّينة: كلّ ما يتزيّن به من ذي منظر ومظهر جميل.