فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 214
أمّا أعمال التّقوى والبرّ والإحسان الّتي ترضي الرّحمن، فغايتها تحقيق السّعادة في الأخرى، ولا تحسب من الأعمال الّتي يكدح الإنسان فيها لدنياه، بل لأخراه.
* وينتقل الدّرس إلى معالجة نفس الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الطّور من مسيرته الدّعويّة لقومه في مكّة إبّان نزول سورة (الأنعام) فيقول اللّه تعالى خطابا له:
* [سورة الأنعام (6) : الآيات 33 إلى 36]
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)
وفي قراءة يعقوب: [يرجعون] بالبناء للمعلوم، وبين القراءتين تكامل في الأداء البياني، أي: يرجعهم اللّه للحساب والجزاء يوم القيامة، فيرجعون مطاوعين بالجبر.
دلّت هذه الآيات على أنّ كبراء مشركي مكّة المعاندين المصرّين على كفرهم، كانوا قد زادوا من أقوالهم الّتي يردّدونها بوجوه مختلفة، وفيها اتّهام للرّسول بأنّه مفتر كذّاب فيما يبلّغ عن ربّه في القرآن وفي البيانات الأخرى، وزادوا في إيذائهم له، وأنّ ذلك كان يحزنه كلّما بلغته اتّهاماتهم له بالكذب، وكلّما بلغته إيذاءاتهم له.
ودلّت على أنّهم يتابعون مطالبته بالآيات الخوارق حتّى يؤمنوا به، وهم كاذبون، فلو أنّ اللّه أجرى لهم ما يطلبون من آيات لم يؤمنوا فاللّه عليم بما في نفوسهم.