معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 216
فالمعنى: لا تحزن يا محمّد من أجل أقوالهم الّتي يكذّبونك بها، ويؤذونك بها، فإنّهم في حقيقة الأمر لا يكذّبونك، وإنّهم في حقيقة نفوسهم مستيقنون بأنّ ما تتلوه عليهم من قرآن هو تنزيل من ربّهم، ولكنّهم ينكرونها جحودا، لا شكّا في أنّها حقّ وصدق، فلا تعبأ بهم ولا تهتمّ لأقوالهم، إنّهم ساقطون في أوحال الجحود، وليسوا بشاكّين.
المعالجة الثانية: دلّ عليها قول اللّه تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ... (34) :
وَلَقَدْ: اللّام واقعة في جواب قسم منويّ. و"قد"حرف تحقيق وفيه معنى التوكيد، لتخفيف الحالة النّفسيّة لدى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
أي: وأأكّد لك توكيدا مشدّدا يا محمّد، أنّ رسلا من قبلك كذّبوا وأوذوا وهم يؤدّون في أممهم رسالات ربّهم، فصبروا على تكذيب أممهم وإيذائهم لهم، واستمرّوا صابرين حتّى أتاهم نصرنا.
فاصبر كما صبروا، وتحمّل الأذى كما تحمّلوا، حتّى يأتيك ويأتي الّذين آمنوا بك واتّبعوك نصرنا، وفي هذا وعد ضمنيّ له بالنّصر، بأسلوب حكاية اللّه نصره للرّسل السّابقين، وهو من الكنايات النّفيسة.
المعالجة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ: أي: ولا مبدّل لكلمات اللّه الّتي تمّ بها تقديره وقضاؤه السّابقان.
ومن تقديره وقضائه اللّذين قال بهما كلماته التّامّات الّتي لا مبدّل لها ما يلي:
(1) أنّ كلّ موضوع في الحياة الدّنيا موضع الامتحان هو حرّ الإرادة في اختياراته، ضمن مجالات ابتلائه، فلا يسلب اللّه النّاس حرّياتهم ويجعلهم مجبورين.
(2) أنّ اللّه لا يجري خوارق آياته الإعجازيّة، على خلاف سننه