معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 219
أي: ولو شاء اللّه جمع النّاس كلّهم على الهدى إيمانا وإسلاما، لسلبهم إراداتهم الحرّة، ولجعلهم مجبورين، وحينئذ يكونون مهديّين بالجبر، لكنّ اللّه لم يشأ هذا، بل شاء أن يمتحنهم عن طريق اختيارهم الحرّ، فجبرهم على الإيمان يتنافى مع تخييرهم لابتلائهم، إنّه لا يصحّ عقلا أن يكون الممتحن المبتلى مجبورا، ولا يصحّ عقلا أن يكون المجبور ممتحنا، هذا تناقض، وحكمة اللّه في الخلق لا يمكن أن تنناقض، لا في الأشياء ولا في لوازمها العقليّة.
فمن تصوّر أنّ إرادة اللّه يصحّ أن تتدخّل لجعل إنسان موضوع موضع امتحان إرادته، مجبورا على أن يكون مهديّا مؤمنا مسلما، فهو جاهل من الجاهلين، لا يدرك استحالة المتناقضات.
* الممتحن المبتلى: هو حرّ الإرادة في اختياراته الّتي يخلقها اللّه له.
* المجبور: لا تكون له إرادة حرّة تختار.
* لا يكون المخلوق الواحد، في الزّمن الواحد، حرّ الإرادة ومجبورا فيما هو فيه حرّ الإرادة، هذا تناقض، ولا تتعلّق إرادة اللّه بإيجاد النقيضين معا في الشّيء الواحد، والزّمن الواحد.
وليس من حكمة اللّه أن يكلّف المجبور بأمر هو مجبور على نقيضه، وقد أبان اللّه هذا في نصوص متعدّدة، منها قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها.
المعالجة السّابعة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ: أي: لا يستجيب لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، إلّا الّذين لديهم استعداد لأن يسمعوا سماعا واعيا، واصلا إلى مداركهم الّتي تفهم ما يصل إليها من بيانات فهما تدبّريا، أمّا الّذين هم رافضون ابتداء أن يسمعوا اتّباعا