معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 222
* وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ: الدّابّة: اسم لما يدبّ على الأرض من الحيوان. يقال لغة: دبّ، يدبّ، دبّا، ودبيبا"أي: مشى على تؤدة رويدا رويدا، وكلّ ماش على الأرض من ذي حياة دابّة، ودبيب، ويجمع على"دوابّ"."
ولفظ"من"جار مزيد لتوكيد عموم النفي.
ولفظ"الأرض"أطلق على هذا الكوكب الّذي نسكنه، وما حوله من الغلاف الغازي التّابع له، ولهذا استعمل حرف"في"الدّالّ على الظّرفيّة المكانيّة.
* وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ: أي: بجناحيه اللّذين هما عماد طيرانه فأكثر، إذ يوجد في الطّائرات من الحشرات الّتي هي أحياء من خلق اللّه ما له أكثر من جناحين، لكنّ الطّيران عماده الأكبر جناحان.
وذكر عبارة: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ قيد لازم، لأنّ أشياء كثيرة تطير طيرانا حسّيّا أو معنويّا ليست من صنف الأحياء الّتي تطير بجناحين لها.
فالدّخان يطير في جوّ الأرض، ولا يطير بجناحين له، وبخار الماء يطير مرتفعا في جوّ الأرض، وهو لا يطير بجناحين له. وأوراق وأشياء خفيفة تحملها الرّياح العاصفة تطير مرتفعة في جوّ الأرض، وهي لا تطير بجناحين لها، والطّائرات الّتي هي من صنع الإنسان تطير في جوّ الأرض بقوّة الدّفع الحراريّ، لا بحركة الجناحين، وقد تكون الأجنحة من شروط توازن مسيرها في جوّ الأرض، لكن لا يكون طيرانها بها.
وأطلق اللّه عزّ وجلّ على عمل الإنسان لفظ"طائر"على معنى انطلاقه منه مرتفعا، وهو لا يطير بجناحين له.
فمن دقّة الأداء البياني ذكر عبارة: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ مع ما فيها من جمال لفظيّ يتلقّاه السّمع بارتياح وعذوبة.