معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 709
عبدتّم اللّه مع عبادتكم شركاءكم، فأنتم لا تزالون على عقيدتكم من الشّرك، لذلك فإنكم لا تكونون عابدين في الحقيقة ما أعبد، لأنّ العبادة الصحيحة للّه عزّ وجلّ شرطها صحّة الاعتقاد، في"لا إله إلّا اللّه"الّتي تفرض توحيد الإلهيّة للّه عزّ وجلّ، وهذه غير حاصلة لديكم، فعبادتكم للّه منعدمة، ولو زعمتم أنّكم تفعلونها، ولو صدقتم في ذلك ولم تنافقوا.
* وأنّ الجملة الثالثة: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) هي على معنى:
أنّني لو تظاهرت لكم بمسايرة عرضكم لاجتذابكم- على سبيل فرض المحال الذي لا يكون فقد سبق رفضه بتّا- فإنّني لا يمكن أن أكون في الحقيقة عابدا ما عبدتّم، إذ لا أومن بشركائكم، فهي في علمي واعتقادي باطل، وعبادتها شرك باللّه، ومحبط للأعمال، واللّه لا يغفره.
* وأنّ الجملة الرابعة: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (5) هي على معنى: أنّكم لو تظاهرتم بعبادة ما أعبد، فإنّكم في الحقيقة ستكونون منافقين كاذبين، لا تعبدون حقيقة ما أعبد، لمخالفة هذه العبادة لما تتعلّقون به من شركائكم.
فالموقف الإيمانيّ الإسلاميّ تجاه عرض المشركين الكافرين موقف واضح محدّد، لهم دينهم، فليس لنا منه شيء يخالف ديننا، ولنا ديننا، فليس لهم منه شيء ما داموا على شركهم.
* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) : بحذف ياء المتكلّم، أي: ولي ديني، ومثل هذا الحذف الإيجازيّ في اللّفظ شائع في العربيّة، وله نظائر كثيرة في القرآن المجيد.
بهذا التفصيل في دلالات الجمل تكون كلّ جملة ذات دلالة خاصّة، واللّه أعلم بمراده.
ولا أرى لزوما لما ذكره بعض المفسّرين من حمل الخطاب في