معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 252
المجتمع البشريّ حرّيّة ممارسته للعبادات الدّينيّة، دون أن يمنع منها أو يحجب عنها.
بعد هذه المقدّمة يمكن فهم قول اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بشأن الّذين طلب أئمّة الشّرك منه طردهم عن مجالسه، إطماعا له بأن يحضروا هم مجالسه الدّعويّة، ويستمعوا لأقواله وتلاواته:
* ... ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) .
أي: كلّ واحد منهم مسؤول وحده عند اللّه عن أعماله واختياراته في رحلة امتحانه، وهو وحده يحاسب ويجازى عليها، وأنت يا محمّد مسؤول وحدك عند ربّك، عن أعمالك واختياراتك الّتي اخترتها في الحياة الدّنيا، وتجازى عليها يوم الدّين.
ومن مقتضى هذه المسؤوليّة الشّخصيّة أن يكون الإنسان المبتلى المكلّف حرّا في ممارسة ما يريد به وجه ربّه، ويبتغي به رضوانه وثوابه العظيم يوم الدّين، وأن لا يحرم من حضور مجالس العلم والخير والعبادة، إبعادا أو طردا، لانحطاط طبقته الاجتماعيّة، أو لأنّ ذوي الكبر في المجتمع يكرهون حضوره معهم استكبارا عليه واستهانة به. لكن قد يطلب منه أن لا يكون في جسده أو ثوبه ما ينفّر من قذارات.
فمن طرد هؤلاء المستضعفين الفقراء عن مجالس العلم النافع، والخير والعبادة العامّة، الّتي يجب أن يتاح حضورها لكلّ راغب فيه من كلّ طبقات المجتمع، على اختلاف مهنهم، للانتفاع بها، والاستزادة من الخير، فهو ظالم لحقّهم الّذي منحه الرّبّ لهم، بمقتضى كونهم ممتحنين في ظروف الحياة الدّنيا، وبمقتضى كونهم مسؤولين مسؤوليّة شخصيّة عمّا يختارون لأنفسهم من أعمال.