معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 253
إنّ الحرّيّة الشّخصيّة في ممارسة الأعمال الدّينيّة، وفي حضور مجالس العلم والخير والعبادة العامّة، يجب أن تكون مصونة لكلّ إنسان ذي إرادة حرّة، موضوع في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، من أدنى النّاس في مجتمعه، حتّى القائد الأعلى، وحتّى النبيّ والرّسول، فلا يصحّ عقلا لأحد العدوان عليها.
* قول اللّه تعالى:
* وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) :
أي: وكذلك الامتحان الّذي امتحنّا فيه بعض النّاس ببعض، إذ امتحنّا الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحنّا الأقوياء بالضّعفاء، وبالعكس، وامتحنّا الحسان بغير الحسان وبالعكس، وامتحنّا كلّ إنسان بمن يتعامل معه في علاقة ماليّة أو اجتماعيّة، قريبا كان أم بعيدا، حاكمين أم محكومين، امتحنّا كبراء مشركي مكّة بضعفاء المؤمنين، لكشف كبرهم الصّادّ لهم عن الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، الّتي فيها نجاتهم من الخلود في عذاب النّار يوم الدّين، وفوزهم بالخلود في جنّات النعيم، وكبرهم هذا دفعهم بحماقة ليقولوا محتقرين مزدرين ضعفاء المؤمنين، أهؤلاء العبيد والضّعفاء منّ اللّه عليهم من بيننا، فوعدهم بالثّواب الجزيل والأجر العظيم، وفضّلهم علينا، كما يتلو محمّد في الآيات الّتي يقول:
إنّها تنزيل من ربّ العالمين.
* فَتَنَّا أي: امتحنّا وبلونا، وهذا المعنى هو الملائم هنا من معاني الفتنة.
وردّ اللّه عزّ وجلّ على مقولتهم هذه بقوله:
* ... أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) ؟!: أي: إنّ اللّه منّ على