معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 258
قل يا محمّد ويلحق به كلّ داع إلى اللّه من أمّته: يا أيّها المشركون، لا أتّبع أهواءكم المضلّة.
إنّي إن عبدت ما تعبدون من دون اللّه، وإن اتّبعت أهواءكم، أكون قد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين، وأستحقّ حينئذ عقاب الضّالّين ضلالا من دركة الكفر باللّه ربّ العالمين.
عبارة: قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ جواب شرط مطويّ بين المثاني هو وأداة الشّرط، تقديره:"إن عبدت ما تعبدون من دون اللّه واتّبعت أهواءكم"إذن قد ضللت وما أنا من المهتدين. وقدّم"قد ضللت"على"إذن"للتّنبيه ابتداء على المحذور منه، وهو الضّلال المؤكّد المحقّق، المؤدّي إلى الخلود في عذاب اللّه يوم الدّين.
* وعلى حامل الرّسالة الدّاعي إلى دين اللّه الحقّ أن يعلن للّذين لم يستجيبوا لدعوته، أنّه على بيّنة برهانيّة من ربّه بأنّ ما يدعوهم إليه هو الحقّ، وأنّهم كذّبوا بهذا الحقّ الّذي أقام لهم عليه البراهين اتّباعا لأهوائهم، والتزاما بالباطل الّذي هم عليه، فجاء في البيان التعليميّ:
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ... (57) :
البيّنة: الواضحة الجلية، وهي صفة موصوف محذوف.
أي: قل للّذين لم يستجيبوا لدعوتك: إنّ ما أدعوكم إليه هو حقّ من ربّكم، وإنّي أملك ملك تمكّن واستعلاء، بيّنة برهانيّة من ربّي تثبت أنّ ما أدعوكم إليه هو الحقّ والصّدق. وأنتم كذّبتم به دون أن تملكوا دليلا ما تعذرون به في تكذيبكم عند ربّكم، فاعلموا أنّ عذاب اللّه سيحلّ بكم لا محالة، تحقيقا لما أنذركم به في آيات كتابه المجيد. وقد سبق في سورة (هود/ 52 نزول) بيان أن نوحا وصالحا وشعيبا قالوا لأقوامهم نظير هذه العبارة.