معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 267
بالنّهار السّابق للّيل الّذي يتوفّاكم به، طوال رحلة امتحانكم في الحياة الدنيا.
جرى في الاستعمال اللّغوي فعل"جرح"ومشتقّاته بمعنى:"كسب"كسبا جسديّا أو نفسيّا. والجارحة: العضو العامل من أعضاء الجسد، كاليد والرّجل، والجمع:"الجوارح". وأصل الاستعمال مأخوذ من كون العضو جارحا، أي: شاقّا شقّا في بدن ما. والمشقوق بدنه يقال له:
"جريح". وما يصيد من الطّير والسّباع والكلاب يسمّى"جارحا"والجمع"جوارح".
وجاءت عبارة: بِالنَّهارِ للدّلالة على أنّ الكسب الأفضل هو ما كان بالنّهار، ليكون اللّيل للرّاحة والسّكون، وهو الموافق الملائم لنظام حياة النّاس، وما فطر اللّه أجسادهم عليه.
* ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ: أي: ثمّ بعد نوم يطول أو يقصر يبعثكم من نومكم وأفضله ما يكون في النّهار الّذي يبدأ مع طلوع الفجر، بإعادة الاتّصال التّامّ بين الرّوح والنّفس، إذ كان بينهما انفصال جزئيّ في حالة النّوم كما سبق بيانه في الفرق بين الموت والنّوم.
وهكذا دواليكم تستمرّ ظاهرتا توفّيكم وبعثكم من نومكم طوال رحلة امتحانكم في الحياة الدّنيا.
* ... لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ...: أي: لينهى أجل معلوم مسمّى بوحداته الزّمنيّة، حتّى آخر وحدة منه الّتي يكون بعدها موتكم.
المراد بالأجل هنا مدّة حياة كلّ إنسان محدّدة بتقدير اللّه وقضائه.
* ... ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ...: أي: ثمّ بعد مدّة البرزخ الّتي تكون فيه أجسادكم ترابا كما كانت قبل خلقكم، يبعثكم ربّكم من موتكم، فينبت أجسادكم، ويردّ أرواحكم إلى نفوسكم، ويرجعكم إلى الحياة مرّة