معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 268
أخرى، لتحشروا إلى جهة محكمة العدل والفضل التي يقيمها لكم.
* ... ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) : أي: ثمّ بعد مدّة تكونون فيها في موقف الحشر، يقيم لكلّ واحد منكم في محكمته حسابه، وفصل القضاء بشأنه، ليكون جزاؤه بعد ذلك بالعدل أو بالفضل على وفق قضائه جلّ جلاله.
جاء التّعبير عن الحساب وفصل القضاء، بذكر بعض ما يجري في المحاكمة الرّبّانية، وهو إخبار كلّ واحد من العباد بما كان يعمل في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا حياة الابتلاء، وهذا من الكنايات الّتي تكرّرت نظائرها في القرآن المجيد، إذ يذكر بعض عناصر الحدث، أو بعض أجزائه، ليدلّ على سائر العناصر أو الأجزاء.
* قول اللّه تعالى:
* وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) :
* وَهُوَ الْقاهِرُ ...: أي: واللّه هو وحده لا غيره. القاهر الغالب بالجبر في الوجود كلّه لما ولمن شاء أن يجعله مجبورا بالقهر والغلبة على أمر ما، كالإماتة والإحياء، وكلّ ما يكون الكائن الحيّ مجبورا فيه.
القهر: هو في اللّغة الأخذ من فوق، والمقهور: هو المأخوذ من غير رضاه، ففي القهر معنى الجبر الّذي يكون معه المجبور مسلوب الإرادة، فيجري فيه مراد اللّه راغبا أو كارها.
* ... فَوْقَ عِبادِهِ ...: أي: للّه الفوقيّة الدّائمة إذ هو العليّ الأعلى، وكلّ ما سواه ومن سواه دونه جلّ جلاله وعظم سلطانه. وعباد اللّه