معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 712
المبادئ والحقائق الاعتقادية، هي أوّل خطوة في طريق الضعف والوهن والانحراف. ولأنّ أيّ تنازل عن جزء من الحقّ الّذي يمثّل وحدة اعتقاديّة متكاملة هو تنازل عن الحقّ كلّه، الشامل لكلّ عناصره، مهما كانت الذرائع، إذ المبادئ والحقائق الاعتقاديّة هي الجوهر والأصل الثابت، وما عداها من مصالح شخصيّة أو غايات مرافقات لها فإنّها خارجة عنها، وغير داخلة في عناصرها.
إنّ وحدة الصف لا ترقى بحال من الأحوال إلى مستوى وحدة المبدأ الحق، فوحدة الصف الذي لا تجمعه وحدة مبدأ حقّ يكوّن صفّا خليطا من أصحاب مبادئ متنافرة، وعقائد متباينة، ومصالح متخالفة، وما أسرع ما تدبّ خلافات المصالح الفرديّة فيه، فتفكّكه وتمزّقه وتشتّته.
إنّ الذي يقبل المساومة والمصالحة من الحقوق إنما هي الحقوق الشخصيّة، الّتي ترتبط بها مصالح دنيويّة، فللفرد أن يساوم ويصالح على حقّ ماليّ له، فيتنازل عنه أو عن جزء منه، ويسامح بسائره، حرصا على وحدة الصّفّ، وجمع الكلمة، واستبقاء الألفة والمحبّة بين الإخوة.
فالحفاظ على وحدة الصّفّ وجمع الكلمة أجلّ وأسمى من المصالح الشخصيّة الفردية، وتنازل الفرد عن حقّه الشخصيّ من أجل وحدة صفّ الجماعة فضيلة خلقيّة عظيمة، وإيثار محمود.
وربّما تحسن المساومة والمصالحة في الطّرق المؤديّة إلى الغاية الواحدة المشتركة، إذا اختلفت الاجتهادات في أسهلها أو أقربها أو أكثرها سلامة وأمنا، مع احتفاظ المتنازل عن العمل باجتهاده في الطرق والوسائل بما رأى، على أنّه فكرة موقوفة التنفيذ إذ وافق على العمل برأي غيره، حرصا على وحدة الصّفّ، الّتي تتكاثر بها القوى لتحقّق الغاية، إذ لو تفرّق أصحاب الآراء، فعمل كلّ واحد منهم بما رأى في اجتهاده الخاصّ،