معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 285
اللّهو: هو الاشتغال بشيء ذي فائدة قليلة، صارف عمّا يجب توجيه الجهد والعمل له، إذ هو ذو قيمة وفائدة عظيمتين جليلتين، كالاشتغال بما يكتسب به العامل فلسا واحدا، ويصرفه عمّا يكتسب به دنانير كثيرة وفيرة، وكالاشتغال بما يجلب به العامل متاعا ضئيلا لنفسه من متاعات الحياة الدّنيا، ويصرفه عمّا يرتفع به درجات في جنّات النّعيم يوم الدّين، أو يصرفه عن دخول الجنّة، ويجعله من أصحاب النّار.
* وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا: أي: ودع الّذين خدعتهم متاعات الحياة الدّنيا وزيناتها، فحسبوا أنّها كلّ شيء في وجودهم، وحسبوا أنّه ليس بعد هذه الحياة حياة أخرى، يكون فيها الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، ووصلوا إلى دركة ميؤوس وهم فيها من استجابتهم لدعوة الحقّ الرّبّانيّة، عن طريق إراداتهم الحرّة.
فلا تعبأ بهؤلاء، ولا تكترث لهم، ولا تشغل نفسك بمجاهدتهم، لتحويلهم من الكفر إلى الإيمان، فهم ماضون هائمون في غيّهم، مستغرقون في متاعات الحياة الدّنيا الّتي غرّتهم بزيناتها. فملكت حواسّهم الظّاهرة، وملكت نفوسهم وقلوبهم.
إنّ تضييع وقتك بهؤلاء من العبث، فذرهم، وابذل طاقاتك بمجاهدة غيرهم الّذين لم يصلوا إلى مثل هذه الدّركة.
* وَذَكِّرْ بِهِ: أي: وذكّر بالقرآن وبما جاء فيه، من لم يصل إلى دركة ميؤوس منه وهو فيها.
* أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ: أي: محذّرا بتذكيرك بالقرآن وبما جاء فيه، من أن تبسل نفس ما، كانت في الحياة الدّنيا ممتحنة مكلّفة، بما كسبت من مساخط اللّه في رحلة امتحانها في الحياة الدّنيا.
ضمّن فعل: وَذَكِّرْ معنى فعل:"حذّر"أو"أنذر".