فهرس الكتاب

الصفحة 6886 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 308

الآفلين، الّذين يظهرون ويغيبون، ولا أحبّ عبادة أحد منهم.

ذكرهم بجمع العقلاء، مراعاة لاعتقاد مشركي قومه، بأنّ آلهتهم أرباب عالمة حيّة، تتصرّف بأحداث ما في النّاس، وفي سائر الأحداث في الأرض.

يقال لغة:"أفل النّجم، يأفل، أفلا، وأفولا"أي: غاب، فهو"آفل".

قدّم إبراهيم عليه السّلام دليلا على عدم صحّة كون شيء ما ربّا، أن يتعرّض بعد ظهوره ومشاهدته للأفول، وإذا لم تكن له ربوبيّة فلا تكون له إلهيّة بوجه من الوجوه، إلّا أن يأمر الرّبّ الحقّ بعبادته، وهذا لم يكن في رسالة ربّانيّة صحيحة.

وأفهم من استدلال إبراهيم عليه السّلام أنّه يقول لقومه: إنّ من يحضر فيرى ويغيب فلا يرى، إمّا أن يكون حضوره وغيابه بإرادته، وإمّا أن يكونا بغير إرادته.

فإذا كانا بإرادته، فهو إنّما يحضر ليصرّف أحوال مربوبيه ذوي الحاجة الدّائمة لربوبيّته، لكنّه إذا غاب لم يكن لمربوبيه حظّ من تصاريف ربوبيّته، فيفسد بذلك نظام الخلق. فدلّ هذا على أنّ الّذي يغيب بعد حضور لا يصلح لأن يكون ربّا، فهو لا يصلح لأن يكون إلها معبودا، ولهذا فأنا لا أحبّ أن أتّخذ لنفسي ربّا إلها لا يصلح للرّبوبيّة ولا للإلهيّة.

وإذا كان حضوره وغيابه بغير إرادته فهو بالبداهة لا يصلح لأن يكون ربّا ولا إلها، وهذا هو الّذي يدلّ عليه نظام الكواكب والنّجوم في السّماء، إنّها جميعا تحضر وتغيب بغير إرادتها، فهي مربوبة لربّ واحد يخضع لصفات ربوبيّته كلّ موجود في السّماوات والأرض.

هذا الدّليل نفسه استخدمه إبراهيم عليه السّلام مع قومه، حين انتقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت