معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 344
وهذه ظاهرة متكرّرة، مشهودة لكلّ من يشاهد نباتات الأرض، وتناميها، منذ بذر بزورها، حتّى تكاملها على وفق ما قدّر وقضي لها.
هل يفعل هذا أحد في الوجود غير اللّه؟ وهل يتابع أطوار النّبات منذ فلق حبّه أو نواه حتّى اكتماله، أحد غير الرّبّ الخالق العليم الحكيم الرّحيم جلّ جلاله وعظم سلطانه؟؟.
إنّه لا ربّ غير اللّه، فلا إله إلّا هو، تبارك اسمه، وتنزّهت ذاته وصفاته.
الآية الكونيّة الثانية: آية إخراج الحيّ من الميّت، وإخراج الميّت من الحيّ، دلّ عليها قول اللّه تعالى: ... يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ... (95) :
علمنا في تدبّر سابق أنّ الحياة في شيء ما بحسب خطّة اللّه التّكوينيّة، تكون بنفخ نسمة الرّوح الّتي هي من أمر اللّه التّكوينيّ مباشرة، في جسد لا حياة فيه، وقد أحكم اللّه عزّ وجلّ خلقه، فجعل لكلّ ما قدّر له احتمال أن يكون حيّا طبعة خاصّة رسم فيها خريطة حياته، نماء، وحركة، وصفات جسديّة وغير جسدية، هي نفسه.
فإذا تمّ نفخ الرّوح في النّفس ظهرت الحياة في الجسد على وفق خريطة النفس.
واللّه عزّ وجلّ قدير بأمر التكوين الواحد، أن يجعل في المادّة الجسديّة طبعة، هي نفس الكائن الّذي أراد أن يجعله حيّا، وأن ينفخ فيها نسمة الحياة، فتكون كائنا حيّا، كما أخرج ناقة صالح عليه السّلام من الصّخرة، وكما أخرج الحيّة من عصى موسى عليه السّلام، وأخرج ذات العصا من الحيّة بعد أن لقفت ما أفكه سحرة فرعون.
فمن عظيم قدرة الرّبّ جلّ جلاله أنّه يخرج الحيّ من ذات الميّت،