معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 345
فيجعل الميّت حيّا بنفخ الرّوح الّتي هي نسمة الحياة فيه، ويخرج الميّت من ذات الحيّ، فيجعل الحيّ ميّتا بنزع نسمة الحياة منه وهي الرّوح.
هذا المعنى لم يخطر في بال أهل التّفسير، إذ تشبّثوا بإخراج كائن حيّ من كائن آخر ميّت، فقلّت عندهم الأمثلة، مع أنّه يقال:"أخرجت من طلّاب جهلة علماء، أي: بالتّعليم- وأخرجت من قنطار حديد سيّارة آليّة، أي: عن طريق الصّنع- وأخرجت من كيس قمح ألف رغيف، أي:"
بالطّحن والعجن والخبز"إلى غير ذلك من أمثلة."
فالإحياء يكون بإدخال الرّوح في النفس، والإماتة تكون بفصل الرّوح عن النفس، وكلاهما من أفعال ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه، ولا أحد في الوجود غير الرّبّ تبارك وتعالى يخلق حيّا من مادّة ميّتة لا حياة فيها. واتخاذ الأسباب الّتي يحيي اللّه بها ويميت، لا يقتضي عقلا ولا واقعا أنّ متّخذ الأسباب هو الّذي أحيا وأمات.
واستخدام اسم الفاعل"مخرج"في مقابل الفعل المضارع"يخرج"من التفنّن في التعبير، لأنّ اسم الفاعل يدلّ على ما يدلّ عليه المضارع من الحال والاستقبال والتّجدّد، هذا ما ظهر لي في نصوص القرآن المجيد الكثيرة.
ومحاولات استخراج حكم بلاغيّة من هذا يفضي إلى ادّعاءات وتكلّفات لا داعي لها.
وبعد التّنبيه على هاتين الآيتين الكونيّتين قال اللّه عزّ وجلّ خطابا للمشركين: ... ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) : أي: ذلكم العظيم الجليل، العليم الحكيم القدير، الّذي تدلّ على صفات ربوبيّته آيتا فلق الحبّ والنّوى، وإخراج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ، هو اللّه الّذي لا ربّ غيره، فلا إله سواه، فكيف تصرفون عن هذا الحقّ الجليّ ذي