معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 382
الخطاب في هذا البيان موجّه لعموم المؤمنين، الّذين يتطلّعون إلى أن يلبّي اللّه عزّ وجلّ طلب أئمّة الشّرك من قريش آية من الآيات الّتي طلبوها، طمعا في أن يؤمنوا، هذا بحسب قراءة لا يُؤْمِنُونَ حديثا عن المشركين.
لكنّ اللّه عليم بما في نفوسهم، وأنّهم غير مستعدّين لأن يؤمنوا، ولو أجرى اللّه لهم آية عظمى على وفق طلبهم، وقد سبق أن أجرى اللّه آية إنشقاق القمر فقالوا بشأنها: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ فأنزل اللّه عزّ وجلّ الآيات الأولى من سورة (القمر/ 37 نزول) قائلا:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) .
وقال عزّ وجلّ بشأنهم في سورة (يس/ 41 نزول) :
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) .
بيد أنّ المؤمنين اغترّوا بالأيمان المغلّظة الّتي حلفها أئمّة المشركين من قريش، على أنّهم إن جاءتهم آية ليؤمننّ تأثّرا واقتناعا بها، ولم يقع في شعور المؤمنين احتمال كذبهم، بعد أن أقسموا باللّه جهد أيمانهم.
وبناء على هذا يحسن أن نفهم عبارة: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) مع استخراج المطويات فيها.
أي: أنتم ترغبون في تلبية طلبهم، وما يشعركم مشعر ما بكذبهم، بعد أن أقسموا باللّه جهد أيمانهم، وما يخطر في بالكم أنّهم إذا جاءتهم الآية على وفق طلبهم لا يؤمنون، ونحن نعلم أنّهم لا يؤمنون، فليس من الحكمة أن نلبّي طلبهم.
وعلى قراءة كسر همزة أَنَّها يكون تحليل العبارة: وما يشعركم