معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 386
وسبق في الآيات من (90 - 93) من سورة (الإسراء/ 50 نزول) بيان عدد من مطالبهم التّعنّتيّة الّتي لا تجعلهم يؤمنون لو استجاب اللّه لمطالبهم فيها.
فأبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية، أنّه لو نزّل إليهم الملائكة، ولو كلّمهم الموتى بخارقة أجراها لهم، ولو جمع عليهم كلّ شيء طلبوه من الخوارق والآيات المعجزات، ما كانوا ليؤمنوا عن طريق إراداتهم الحرّة، لأنّهم معاندون مكابرون مستيقنون في أنفسهم أنّ محمّدا رسول اللّه حقّا وصدقا، وأنّ ما يتلوه عليهم كتاب منزّل من عند اللّه ربّ العالمين، فهم ليسوا بحاجة إلى اقتناع حتّى يؤمنوا.
* وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ: أي: وجمعنا مرسلين عليهم، ضمّن الفعل في:
"و حشرنا"معنى الفعل في:"و أرسلنا"فعدّي تعديته بحرف الجرّ"على".
* كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا وفي القراءة الأخرى قُبُلًا أي: كلّ شيء ممّا طلبوه من خوارق وآيات حالة كونه مقابلا مواجها لهم، ومعاينا بأعينهم.
القراءتان لغتان بمعنى المقابلة والمواجهة والمعاينة.
* ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا اللّام في: لِيُؤْمِنُوا تسمّى لام الجحود، إذ جاءت بعد كون منفي. وفعل"كان"هنا بمعنى الاستقبال، وهو أحد استعمالات هذا الفعل.
* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: أي: إلّا أن يشاء اللّه إيمانهم، فإنّه يسلبهم حينئذ إراداتهم الحرّة، ويجعلهم مجبورين غير مخيّرين، ولكن يلغى حينئذ وضعهم موضع الامتحان، فالجبر ينافي الابتلاء.
* وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ: أي: ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون هذه الحقيقة عنهم، فيتطلّعون إلى تلبية بعض مطالبهم من الآيات، طمعا في إيمانهم، ونحن نعلم حقيقتهم، وما تكنّه صدورهم، فلا نستجيب لمطالبهم التّعنّتيّة.