معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 402
اللّحوم، وهذه في نجوم التّنزيل أولى أحكام الفروع بعد الصّلاة، مع مقدّمات كلّيّة عن الزكاة.
أي: واذكروا اسم اللّه على ما تذبحون وما تصيدون، وكلوا منه، ولا تأكلوا ممّا ذبح لغير اللّه، كالّذي يذبح للأوثان وللموتى، لأنّه شرك بإلهيّة اللّه الّذي لا إله إلّا هو، وشرك بحقّ ربوبيّته، ولا تأكلوا ممّا مات حتف أنفه، فربّكم حرّم عليكم ذلك، إذ هو ممّا أبان لكم تحريم الأكل منه في الآية (145) الّتي فصّلت ما حرّم اللّه الأكل منه من الحيوانات، وهو:"الميتة- والدّم المسفوح- ولحم الخنزير- وما أهلّ لغير اللّه به".
والغرض من ذكر اسم اللّه على ما يذبح من الحيوانات وعلى ما يصطاد منها، ملاحظة أنّ اللّه الرّبّ خالقها هو الّذي أباح ذبحها والأكل منها، مع الاستعانة به عند ذبحها أو صيدها.
روى الترمذيّ وغيره عن ابن عبّاس قال: أتى أناس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: يا رسول اللّه، أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما قتل اللّه؟ فأنزل اللّه تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ... وحتى غاية الآية (121) .
وحينما نلاحظ أنّ النّاس بافتراءاتهم على اللّه يأكلون الموتى من الحيوانات، ويذبحون ذبائحهم باسم آلهتهم من الأوثان، وأنّ بعض النّاس يحرّمون على أنفسهم ذبح الحيوانات والأكل من لحومها، شفقة عليها، فكان من بيان أحكام الدّين الّذي اصطفاه اللّه الرّبّ لعباده، أن يعلم المؤمنين المسلمين بأنّه تبارك وتعالى أباح لهم أن يذبحوا من الحيوانات غير الضّارة ولا المستخبثة، وأن يصيدوا من صيدها، ذاكرين اسم اللّه عند ذبحها أو صيدها، إذ أباحها لهم وهو ربّها وربّهم، وكان من بيان أحكام الدّين أن يحرّم أكل الميتة، وأكل الدّم المسفوح، وأكل لحم الخنزير،