معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 403
كما سيأتي بعد خمس وعشرين آية في السّورة، وأن لا ينساقوا مع أوهام الّذين يتدخّلون في ربوبيّة اللّه لكونه، فيحرّمون ما أحلّ اللّه، ويحلّون ما حرّم اللّه، فأمرهم أمر إباحة فقال لهم:
* فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ أي: فكلوا من ذبائح الحيوانات المأذون بذبحها، ومن الصّيد المأذون بصيده، ذاكرين اسم اللّه عليه، ولا تتّبعوا افتراءات المفترين على الرّبّ خالقهم وخالق كلّ ذي حياة، والمالك لحياة كلّ ذي حياة.
وإنّي أوجّه لكم هذا الحكم من أحكام فروع الدّين، إن كنتم بآيات اللّه البيانيّة في كتابه مؤمنين، أي: تتابعون الإيمان بكلّ ما ينزّل إليكم من آيات، وتسلّمون إليها قياد حركات حياتكم تسليما كاملا.
ويظهر لي أنّ شرط إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ شرط تحريضي للمؤمنين على العمل بمقتضى إيمانهم، والتّسليم الكامل لأحكام ربّهم وعدم الالتفات إلى وساوس الموسوسين، وضلالات المضلّين، من شياطين الإنس والجنّ، الّذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
وخاطب اللّه عزّ وجلّ الّذين يتحرّجون من ذبح أو صيد ما أذن اللّه بذبحه أو صيده من الحيوانات، ويتحرّجون من الأكل من أجسادها، بأسلوب الاستفهام التلويمي، فقال لهم:
* وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ... (119) :
أي: وما المانع لكم الّذي يمنعكم يا أيّها المتحرّجون من أن تذبحوا أو تصيدوا ما أذن اللّه لكم بذبحه أو أذن لكم بصيده؟؟ وما الدّافع لكم الّذي يدفعكم إلى أن لا تأكلوا ممّا أباح اللّه لكم وذكر على ذبحه أو