معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 405
* ... إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) : في ذكر أنّ اللّه أعلم بالمعتدين كناية على أنّ اللّه سوف يجازيهم ويعاقبهم على عدوانهم على حقّ اللّه في ربوبيّته وإلهيّته.
* قول اللّه تعالى خطابا للمؤمنين:
* وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) :
الإثم: هو في اللّغة الذنب، وباستقراء لفظة الإثم في القرآن الكريم، وجدت أنّها تستعمل للدّلالة على جميع المعاصي الّتي نهى اللّه عنها كبائرها، ومتوسّطاتها، وصغائرها، ما هو ظاهر منها كأكل أموال النّاس بالباطل، وأقوال الكفر، وما هو باطن منها، ككتمان الشّهادة، فهو من الإثم الباطن لأنّه سكوت عن الحقّ، فهو من إثم القلوب.
فظاهر الإثم، ما هو معلن منه، وباطن الإثم ما كان منه في السّرّ، ويدخل في عموم باطن الإثم ما كان منه من أعمال القلوب والنفوس الإراديّة، كالنفاق، وبعض أنواع الشّرك الخفيّ الّذي يكون في القلوب والنفوس، والرّياء المحبط للعمل، والنّيّات الفاسدات من وراء الأعمال، والعزم على المعصية الّتي منع من فعلها مانع خارجيّ، والحسد المنهيّ عنه شرعا، وتدبير الخطط للإضرار بأحكام الدّين، أو الإضرار بعباد اللّه في أنفسهم، أو أموالهم، أو أعراضهم.
والأثيم: هو المسرف الغالي في ارتكاب الذّنوب، ويختصّ بالكافر الفاجر.
وما جاء في الأقوال المأثورة عن قدماء المفسّرين أقوال قاصرة عن دلالة هذا الاستقراء القرآنيّ لاستعمال مادّة الإثم ومشتقّاتها، وما دلّ عليه هذا الاستقراء هو الذي يجب اعتماده.