معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 459
أراه أنّ الباغي يراد به الواحد من البغاة، وهم الخارجون على السّلطة الإداريّة المسلمة لسلب الحكم من أهله، أو للسّطو على النّاس وسلب أموالهم بغير حقّ. أمّا العادي فيراد به الّذي يتجاوز حدود اللّه حين يضطرّ أن يأكل ممّا حرّم اللّه، فيأكل بنهم وإسراف أكثر ممّا يدفع به ضرورته.
فالباغي الخارج على السّلطة الإداريّة المسلمة بغير حقّ، والقائم بأعمال السّطو الحرام، لا يباح له أن يأكل عند الضّرورة من المحرّمات من المطاعم، لأنّه عاص في خروجه الّذي أفضى به إلى ضرورته.
ومن يباح له عند الضّرورة أن يأكل من المطاعم المحرّمة ليس له أن يستزيد من الأكل أكثر ممّا يدفع الضّرورة الّتي يقدّرها، وهو منقطع عن المباحات من المآكل محروم منها.
* فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) : جاءت هذه العبارة في آخر الآية للدّلالة على أنّ المضطرّ قد يستزيد ممّا يأكل أكثر ممّا يدفع به ضرورته، لأنّه يعسر عليه ضبط مقدار ما يدفع به ضرورته، أو يعسر عليه ضبط شهوة نفسه عند الحدّ المأذون به شرعا، فإنّ اللّه يغفر له، لأنّه غفور، كثير الغفران وعظيمه، وهذا من رحمته بعباده، على أنّ أصل حكم الإباحة عند الضّرورة أثر من آثار رحمته تبارك وتعالى.
وأمّا ما خضّ اللّه به اليهود من المحرّمات زيادة على المحرّمات الخمسة الّتي سبق بيانها، فقد كان بسبب بغيهم وظلمهم مع أنّها من الطّيّبات الّتي ليس من حكمة اللّه أن يحرّمها في كلّ رسالاته للنّاس، فقال اللّه تعالى:
* وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) .