فهرس الكتاب

الصفحة 7043 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 465

وقبل الإرشاد إلى مجادلتهم أبان اللّه أنّهم كاذبون في ادّعاء الجبر، أي: بل لهم إرادات حرّات في اختياراتها، وهم مسؤولون عمّا يختارون في حيواتهم مسؤوليّة تامّة. وقد سبقهم إلى إطلاق مثل هذا الكذب المشركون من قبلهم من الأمم السّالفة.

إنّ مقولتهم الكاذبة تعتمد على ستر الضّدّ الثّالث الوسط بين ضدّين متباعدين، سترا فيه مغالطة يكتشفها المناظر الجدليّ الحكيم.

إنّهم جعلوا القضيّة متردّدة بين احتمالين:

الاحتمال الأوّل: أن يجعل اللّه الإنسان مجبورا على الكفر ومنه الشّرك، وعلى لوازم الكفر في السّلوك.

الاحتمال الثّاني: أن يجعل اللّه الإنسان مجبورا على الإيمان والإسلام، ولوازمهما في السّلوك.

فقالوا: لو شاء اللّه ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا من قبلنا، ولو شاء ما حرّمنا ما حرّمناه من الأنعام.

وبما أنّ القضيّة تتردّد بين احتمالين، فيلزم من هذا عقلا أنّ اللّه هو الّذي شاء أن نكون مشركين، وأن نحرّم ما حرّمنا من الأنعام، فجعلنا بالجبر كذلك، فإراداتنا مجبورة على أن نكون على ما نحن عليه عقيدة وسلوكا، وهذا يقتضي عجزنا عن تغيير واقعنا الّذي نحن عليه، فلا حساب علينا ولا جزاء فيما هو ليس من اختياراتنا.

حجّة زخرفيّة باطلة تعتمد على المغالطة.

إنّهم ستروا الاحتمال الثّالث: وهو أن يجعل اللّه الإنسان ذا إرادة حرّة، يختار بها ما يشاء لنفسه من إيمان أو كفر، وعمل صالح وعمل سيّئ، وطاعة للّه أو معصية له، واللّه يخلق له ما اختار هو لنفسه بإرادته الحرّة غير المجبورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت