معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 483
(145) : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ... وما جاء في الآيات من (151 - 153) قد سبق أن كان من دين إسماعيل عليه السّلام الّذي بعثه اللّه رسولا للعرب، وورثوا عنه تعظيم البيت الحرام، وشعائر الحجّ والصّلاة، وغيرها من العبادات وفضائل السّلوك قبل أن تدخل إليهم الوثنيّة، والانحرافات السّلوكيّة المختلفة، وبقيت معمولا بها مدّة من الزّمن في البيئة العربيّة، وهي من شرائع اللّه وأحكامه الّتي أنزلها في الرّسالات السّابقات، إذ هي من الدّين الّذي اصطفاه اللّه لكلّ النّاس في كلّ الرّسالات.
ثمّ آتى اللّه موسى كتاب التّوراة، فهو بحسب التّرتيب الزّمني متأخّر عمّا جاء به إسماعيل عليه السّلام للعرب، واختير في النّصّ التّعبير بحرف العطف"ثم"للإشعار بهذا، وهو من أدلّة وحدة الرّسالات الرّبّانيّة للناس.
فحرف العطف"ثمّ"هنا لا حاجة إلى اعتبار الترتيب والتراخي فيه ترتيبا رتبيّا، ولا إلى تخريجات أخرى يخرج النّصّ عن أصل دلالته، فالمعالجة تدور حول فساد الأحكام الجاهليّة الّتي افتراها المشركون على اللّه، وبيان أنّ الدّين الّذي كان عليه العرب منذ عهد إسماعيل عليه السّلام قد كان وفق ما جاء في الآيات (145) و (151) و (152) و (153) والأحكام الّتي اشتملت عليها هذه الآيات من شرائع اللّه وأحكامه في الرّسالة الخاتمة الّتي بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بها للنّاس أجمعين.
* ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ: أي: ثمّ بعدما أنزلنا في الرّسالات السّابقات أحكاما وشرائع هي من الدّين الذي اصطفيناه للنّاس، وهي كافيات وملائمات للأقوام الّتي كلّفت أن تعمل بها، آتينا موسى كتاب التّوراة حالة كونه تماما كاملا في أحكامه وشرائعه، محمولا بتمامه على الّذي أحسن إيمانا وإسلاما وعملا، وحرص على أن يكون محسنا من أهل مرتبة الإحسان.