معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 493
أجمعين، إنّني هداني ربّي إلى صراط مستقيم لا عوج فيه ولا التواء، حالة كونه دينا مشتملا على مبادئ وحقائق وفضائل ومحاسن وضوابط للسّلوك النّفسيّ والجسديّ قيّمة، أي: مستقيمة استقامة تامّة، وكلّ واحدة منها قيمة فذّة تقوّم بها ما يقترحه النّاس من بدائل، فتكشف ما فيها من نقص وعيوب ومخالفات لما تقتضيه سعادة النّاس العاجلة والآجلة، وجميعها قيم عظيمة متّصفة بالحقّ والخير والحسن والجمال والكمال.
أطلق الصّراط في القرآن بالإفراد اصطلاحا، على الدّين الّذي اصطفاه اللّه عزّ وجلّ لعباده، الشّامل لأصوله وشرائعه وأحكامه وبياناته وتعليماته ووصاياه.
وهذا من نقل ما هو في اللّغة للماديّات، إلى المعنويّات والفكريّات والمشابهات لها، على سبيل الاستعارة أوّلا، ثمّ يجري تعميمه اصطلاحا، وهذا كثير في القرآن المجيد.
* مِلَّةَ إِبْراهِيمَ: أي: دين إبراهيم عليه السّلام الّذي أنزله اللّه عليه، وهو بدل من [دينا] .
الملّة: الدّين، والشّريعة.
وكون ما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ملّة إبراهيم عليه السّلام هو باعتبار أنّ دين اللّه لعباده واحد في أصوله وعقائده وكلّيّاته السّلوكية. وفي بيان أنّه ملّة إبراهيم إعلام للعرب بأنّ أصل دينهم قبل التحريفات الشّركيّة والجاهليّة هو ما تلقّوه عن إسماعيل الّذي تلقّاه عن أبيه إبراهيم عليهما السّلام وجعله اللّه به رسولا للعرب. وإعلام لليهود وللنّصارى بأنّ أصل دينهم هو ملّة إبراهيم، وجاء تجديده تنزيلا على موسى وعيسى عليهما السّلام، وهذا قبل التّحريفات الّتي دخلت في اليهوديّة والنّصرانيّة.
حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أي: حالة كون إبراهيم عليه السّلام