معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 592
سلّم على نوح، أو على أيّ رسول أو نبيّ كتب له بذلك أجر، لأنّه تعليم مشروع أشعر اللّه عزّ وجلّ بالنّدب إليه، بعبارة: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ دون عبارة فيها معنى الأمر أو الإلزام. وجاء عند المفسرين: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ثناء حسنا فِي الْآخِرِينَ أي: فالمفعول به محذوف.
لكنّ التعبير القرآنيّ يشعر بأنّ المتروك عليه في الآخرين هو هذه التحيّة المذكورة على الحكاية سَلامٌ عَلى نُوحٍ وجاءت عبارة فِي الْعالَمِينَ دالّة على أنّ أهل السّماء والأرض ممّن يبتغون رضوان اللّه، يحيّونه بهذه التّحيّة، فيقولون: سلام على نوح، أو عبارة نحوها، ويحيّون بمثلها كلّ الرّسل الّذين ترك اللّه عليهم مثل هذا السّلام، ويقيسون عليهم سائر الرّسل، مستفيدين من قول اللّه عزّ وجلّ في آخر السورة: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182) فعمّم جميع المرسلين بالسّلام عليهم، تعليما لجميع المؤمنين.
وقد جاء في بعض أقوال الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم هذا التّسليم، عند ذكر بعض المرسلين. منها ما رواه البخاريّ عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، أنّه قال حين سئل عن أكرم الناس:
"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السّلام".
وهذا من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيان تطبيقيّ نستفيد منه كيف نسلّم على الرّسل.
السّلام: البراءة من كلّ مكروه، ومن كلّ نقص، والعافية، والأمن، وقد اختاره اللّه عزّ وجلّ ليكون عبارة اللّقاء بين المسلمين، إخاء، وتكريما وإيناسا، ودعاء بالسّلامة من كلّ مكروه.