فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 601
استعمل إبراهيم عليه السّلام التّعبير بالظّنّ هنا، لأنّ قومه لا يملكون ظنّا مؤيّدا بدليل ما، يخالف ما يدعوهم إليه من الحقّ، ونبذ الشّرك، والتزام صراط اللّه المستقيم.
أمّا عبادتهم لآلهتهم فهي عقائد خرافيّة تقليديّة، لا يقترن بها ظنّ مقبول في أذهان العقلاء، بل هي أوهام صارت عقائد بالتّقليد الأعمى.
وبعد أن جاهدهم عليه السّلام جهادا دعويّا لينبذوا شركهم، فلم يستجيبوا له، وكان فتى مكتمل القوّة، ذا عزيمة ونشاط، وترقّب يوما من أيّام أعياد قومه، إذ يخرجون من مدينتهم إلى مكان جامع يلتقون فيه، ويلهون ويلعبون، فدعوه إلى الخروج معهم غدا، فأراد أن يكيد في يوم عيدهم أصنامهم في معبدها المخصّص لها، فيحطّمها إلّا كبيرها؛ فيلزمهم الحجة في أنّها لا تستحقّ العبادة.
* فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) :
حركة ذكيّة بارعة، أوهم بها من حوله من عشيرته، أنّه على طريقتهم في النّظر إلى حركات النّجوم، دون أن يقول لهم: إنّي أستطلع حركاتها، وأتبع هذه الحركة بقوله لهم: إنّي سقيم، أي: مريض، ومرضي يمنعني من أن أخرج معكم في يوم عيدكم.
فتوهّموا أنّه استطلع من النّظر إلى النّجوم أنّه سيكون غدا سقيما، يمنعه سقمه من الخروج معهم ليلهوا ويلعبوا في يوم عيدهم.
قوله عليه السّلام:"إنّي سقيم"، هي إحدى الكذبات الثّلاث اللّاتي احتسبها على نفسه، كما جاء في حديث الشفاعة الّذي رواه البخاري ومسلم، مع أنّ ثنتين منها كانتا في ذات اللّه، وهما قوله:"إنّي سقيم".