معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 610
وكان من الحكمة إذ أسلما وأطاعا، وأتمّا امتحانهما بنجاح باهر، أن يوقف اللّه التّنفيذ، إذ لم يكن في تقديره وقضائه أن يذبح الوالد الرّحيم ولده الحليم، إنّما كان الغرض امتحانهما، وقد نجحا فيه نجاحا عظيما، أوقف اللّه تنفيذ الذّبح، وهذا فيما أرى جواب"لمّا"المطويّ في المثاني.
* قال اللّه تعالى:
* وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) :
إنّ إيقاف تنفيذ الذّبح بأمر ربّانيّ، ربّما كان موجّها من جبريل عليه السّلام، تبعه نداء، تفسيره: يا إبراهيم قد صدّقت الرّؤيا، أي: إنّ التّكليف في الرّؤيا كان ذا حدّ يقف قبل تنفيذ الذّبح بإدخال حدّ السّكّين في المذبح من الرّقبة، وقد طابق ما فعله إبراهيم عليه السّلام ما جاء في الرّؤيا التّكليفيّة فصدّقه، وبهذا انتهت حدود التكليف، وقد كان هو وابنه من المحسنين تسليما للّه، فالأب قد قهر أعظم عواطفه طاعة لأمر ربّه، والابن قد قهر حبّه للحياة، فأسلم نفسه للذّبح كما تذبح الشّاة، طاعة لأمر ربّه، وانتهت بما فعلا حدود التكليف.
* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: أي: قدّرنا وأمرنا بإيقاف عمليّة الذبح جزاء مرضيا لهما وسارّا لقلوبهما، وكذلك الجزاء السّامي الذي أنعمنا به عليهما نجزي سائر المحسنين، الّذين يحسنون مثل إحسانهما.
* إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) : أي: إنّ هذا الامتحان الذي امتحنّا به إبراهيم وإسماعيل، لهو الامتحان الجليّ الظّاهر، الّذي اجتازه كلّ منهما بنجاح باهر، ووصف البلاء بأنّه مبين للدّلالة على أنّه لا يخفى على أحد.
وجاء توكيد هذه الجملة بالمؤكدات:"إنّ- والجملة الاسمية، ولام الابتداء المزحلقة للخبر".