معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 635
ثامنا: فقبل اللّه توبته، واستجاب دعاءه، فأوحى إلى الحوت أن يلفظه في العراء قريبا من شاطئ البحر.
دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الصّافات/ 37 مصحف/ 56 نزول) :
* فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) * فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) :
أي: فلو لا أنّ"يونس"عليه السّلام كان في جوف فم الحوت من المسبّحين، إذ قال في دعائه: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لأكله الحوت وهضمه، ولم يعد إلى الحياة إلّا يوم يبعث النّاس للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
ودلّ على أنّ اللّه استجاب دعاءه قول اللّه تعالى في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) :
أي: فاستجبنا له دعاءه، وخلّصناه من الغمّ الّذي كان فيه كلقمة في جوف فم الحوت. ومثل هذا التخليص من الغمّ نخلّص سائر المؤمنين الصّادقين كاملي الإيمان.
الغمّ: الكرب المحيط بالقلب.
فقدّرنا أن يلفظه الحوت على اليابسة قريبا من شاطئ البحر، فلفظه، فنبذناه بالعراء وهو سقيم.
النّبذ: طرح الشيء بسرعة.
العراء: الفضاء الّذي ليس فيه شيء يستتر به.
السّقيم: المريض الّذي اشتدّ عليه المرض.