معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 668
هذه الرّؤوس، لكن يوجد في خيالهم أنّ الشّياطين لهم رؤوس قبيحة جدّا منفّرة ومخيفة، فالصّورة الّتي يتخيّلها الناس لها أقبح وأخبث صورة.
فالتّشبيه برؤوس الشياطين تشبيه منتزع من خيال النّاس لها، وقد يكون واقع رؤوس الشياطين شديد القبح والتنفير.
ثالثا
من الفنون البلاغيّة الكناية، وقد سبق تعريفها في مستخرجات بلاغيّات سابقات.
ومن أمثلة الكناية في هذه السورة ما يلي:
المثال الأوّل: قول اللّه عزّ وجلّ:
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) :
إنّ عبارة: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ تدلّ بأسلوب الكناية على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أجاب نوحا عليه السّلام فيما ناداه به.
المثال الثاني: قول اللّه عزّ وجلّ بشأن يونس عليه السّلام:
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) :
أي: لأكله الحوت وهضمه، ولم يعد إلى الحياة إلّا يوم البعث.
المثال الثالث: قول اللّه عزّ وجلّ بشأن إبراهيم وإسحاق عليهما السّلام:
وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) :
جاء في هذه الآية الاكتفاء بذكر الصّنف الأعلى وذكر الصّنف الأدنى، إذ يلزم عقلا وجود أصناف على درجات بين الأعلى الّذي هو محسن، وبين الأدنى الّذي هو ظالم لنفسه مبين، فدلّ الأعلى والأدنى بأسلوب الكناية على اللّازم الفكري بينهما، وهم ذوو الدّرجات بينهما.