معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 30
في هذه الآية دلالة على أنّ الشّرّ إنّما يأتي ممّا خلق اللّه وأعطاه في كونه التمكين والتّسخير.
أمّا اللّه عزّ وجلّ فالشّرّ الحقيقيّ لا ينسب إليه، ولا يصدر عنه، وما يراه النّاس من مقادير المصائب والآلام الّتي يسمّونها شرّا، هو في حقيقة أمره ليس شرّا، إنّما هو للامتحان، أو التربية، أو العقوبة، وهذه جميعها تشملها الحكمة، والأمر الحكيم لا يكون شرّا على الحقيقة، إنّه قد يسمّى ضرّا أو مصيبة أو ألما، لكن قد يكون وسيلة لخير عظيم.
إنّ كلمتي:"الخير والشّر"ذواتا دلالتين بحسب رؤى الناس القاصرة، المقيّدة بحدود إحساساتهم الضعيفة الكليلة، وبحدود تفكيرهم في عاجل من الحياة الدنيا. وذواتا دلالتين أخريين بحسب الحقيقة الّتي يحيط بها علم اللّه الشامل للظاهر والباطن، والماضي والحاضر والمستقبل، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فما هو خير في الحقيقة المطلقة للإنسان، قد يراه الإنسان شرّا فيكرهه، وما هو شرّ في الحقيقة المطلقة له قد يراه خيرا فيحبّه، فيدعو ربّه أن يحقّقه له، وقد نبّه اللّه على هذا بقوله عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (11)
وكلمة"ما"من قول اللّه عزّ وجلّ: مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (2) اسم موصول يقع على غير العاقل وعلى العاقل معه من باب التغليب، وهو من ألفاظ العموم، فيشمل جميع ما خلق ربّ الفلق.
والمضاف إلى العامّ يكتسب العموم منه، فالاستعاذة بربّ الفلق من شرّ ما خلق تشمل كلّ شرّ قد يأتي به أيّ شيء، من كلّ ما خلق ربّ الفلق.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (3)