معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 31
في هذه الآية تخصيص بعد التعميم الذي جاء في الآية التي قبلها، للاهتمام بهذا المخصوص بالذكر، بعد أن كان داخلا في عموم ما خلق اللّه في الآية السابقة.
فما هو الغاسق إذا وقب؟
أولا: تدور مادّة"غسق"حول معنينن، هما: انصبّ، وأظلم.
يقولون: غسق اللّبن من الضّرع غسقا، أي: انصبّ انصبابا. وغسقت السّماء تغسق غسقا وغسقانا، إذا انصبّت مطرا. ومنه قول عمر رضي اللّه عنه:"حين غسق اللّيل على الظّراب". أي: حين انصبّ اللّيل على الجبال.
ويقولون: غسق اللّيل يغسق غسقا وغسقانا، وأغسق إغساقا، أي:
انصبّ وأظلم.
وغسق اللّيل، ظلمته، وقيل: أوّل ظلمته.
فالغاسق: هو المنصبّ، أو المظلم.
وجاء عند المفسّرين تفسير الغاسق في سورة (الفلق) باللّيل، وجاء تفسيره بالقمر، لأنّ القمر يخسف فيغسق، أي: يذهب نوره ويسودّ ويظلم.
ثانيا: أمّا كلمة"وقب"فهي بمعنى دخل، أو بمعنى دخل في الوقب.
الوقب: الكوّة، ونقرة في الجبل يجتمع فيها الماء، والثّقب الّذي يدخل فيه المحور، وكلّ حفرة، أو نقرة أو ثقب، يمكن أن يدخل فيه شيء، في صخرة أو أرض، أو خشبة، أو جسم حيوان، أو غير ذلك.
فإذا تدبّرنا عموم نصّ الآية المستفاد من تنكير لفظ غاسق، أمكننا أن نفهم أنّ كلّ شيء يدخل مظلما، فينصبّ، أو يتسلّل، في ثقب، ويحمل بدخوله شرّا للمدخول فيه. أو شرّا لغيره بهذا الدّخول، فالاستعاذة تشمله.