معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 711
بالنداء ب [يا] للتّنبيه على جلالة الموضوع، وبصيغة التّصغير للتّقريب والتحبّب، كأنّه قال له، يا ابني القريب من قلبي، والحبيب لي. أمّا الوصيّة المقترنة بالموعظة في هذه العبارة، فهي قوله له: .. لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) .
لا تشرك باللّه: هذه هي الوصيّة، يقال لغة:"وصّى، وأوصى، فلان فلانا بالشّيء"أي: أمره به وفرضه عليه، إذا كان ممّا يطلب فعله، ونهاه عنه وحرّمه عليه إذا كان ممّا يطلب تركه.
والوصيّة: بيان مقرون بنصح مؤكّد بعهد، وليس مجرّد بيان عابر، أو نصح فاتر، بل هي نصح مشدّد مؤكّد بعهد.
وَهُوَ يَعِظُهُ: الوعظ: هو النّصح بالفعل أو بالتّرك المقرون بما يثير الرّغبة أو الرّهبة في النّفس، للانتفاع بالنّصح، واتّباع ما هدى إليه فعلا أو تركا، قال ابن سيده: الوعظ: تذكيرك للإنسان بما يليّن قلبه من ثواب وعقاب. والموعظة: ما يكون به الوعظ من قول أو فعل.
ومعنى: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ: لا تجعل للّه في اعتقادك أو عملك شريكا للّه في ربوبيّته لكونه، أو في إلهيّته، إذ لا يستحقّ أحد أن يعبد في الوجود كلّه إلّا اللّه الرّبّ الواحد الأحد.
هذا النّهي وصيّة مؤكّدة مشدّدة بعهد، أوصى بها لقمان ابنه.
* إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ: أي: إنّ اتّخاذ شريك للّه الرّبّ جلّ جلاله، في ربوبيّته أو في آلهيّته لظلم عظيم في جانب حقّ اللّه عزّ وجلّ على عباده، ويلزم عقلا وخبرا عن هذا الظّلم العظيم أن يستحقّ الظّالم به عند ربّه عذابا أليما، خالدا به في نار جهنم.
ويغلط بعض النّاس فيرى أنّ الشّرك أشدّ أنواع الظّلم، مع أنّه أوّل دركات الكفر المنحدرة إلى قاع جهنّم، إذ أشدّ من الشّرك باللّه ظلما