فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 714
وسكت النّصّ عمّا يعانيه الأب أيضا في العادة من متاعب نفقة ومشاركة للأمّ في تربية الطّفل، اكتفاء بإشارة توصية الولد بأن يشكر لربّه ولوالديه، فقال تعالى في بيان الوصّية.
* أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ: فجعل الأمر بشكر الوالدين عقب الأمر بشكره تبارك وتعالى مباشرة.
اللّه هو الرّبّ الخالق الممدّ بنعمه دواما، والوالدان كانا سببا في وجود الولد، مع ما قدّماه من خدمات كثيرات له، حملا، وولادة، وإرضاعا، وتربية، ونفقات، ومشاركات له بعواطف الوالديّة الّتي فطرهما اللّه عليها.
ولمّا كان شكر اللّه والوالدين ببرّهما، مأجورا عند اللّه بثواب عظيم يوم الدّين، وكان الكفران والعقوق معاقبا عليهما عند اللّه عزّ وجلّ بالعدل، كان من الحكمة أن تأتي الإشارة إليهما في آخر الآية بقول اللّه تعالى: .. إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) : أي: إليّ المكان الّذي يصير إليه النّاس يوم القيامة، وفيه يجري حسابهم، وفصل القضاء بينهم، ثمّ تكون مجازاتهم بحسب الأحكام الّتي تصدر بشأنهم، فضلا أو عدلا من ربّهم.
* قول اللّه تعالى متابعا وصيّته للإنسان بشأن والديه:
* وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) :
أبانت هذه الآية أنّ حقّ اللّه عزّ وجلّ مقدّم على حقّ الوالدين، ولمّا كان من شكرهما طاعتهما في أمورهما الدّنيويّة، كان من الحكمة في البيان الاحتراس بتقييد طاعتهما بما ليس فيه معصية للّه عزّ وجلّ، وعدوان على حقّ من حقوقه، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.