معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 762
أمّا مقرّرات علماء العلوم الكونيّة، المستندة إلى ملاحظاتهم، وتأمّلاتهم وتجرباتهم، فكثير منها قد كان مبنيّا على الحدس والظّنّ والرّؤى النّاقصة، مع إعطائها قرارات عامّات، تتناول ما لم تصل بعد إليها علومهم المحقّقة، وكان هذا الكثير من مقرّراتهم غير مبنيّ على البرهان القاطع واليقين.
وكان أهل العقل والعلم والإنصاف من علماء المسلمين، ذوي التّمكّن في مختلف العلوم الإسلاميّة، يقرّرون أنّه إذا تناقضت مقرّرات العلوم الكونيّة الإنسانيّة، الّتي لم تبلغ مبلغ اليقين الّذي لا يقبل التّعديل والتّبديل والنّقض، مع مفاهيم النّصوص الدّينيّة الصّحيحة الثّابتة، دون إمكان التّأويل الّذي تسمح به قواعد اللّغة العربيّة، وقواعد استنباط المعاني والأحكام لدى علماء المسلمين الموثوقين، فالحقّ ما جاء في القرآن، أو في السّنّة القطعيّة الثّبوت، والقطعيّة الدّلالة، لا ما قرّرته النّظرات الظّنّيّة الإنسانيّة النّاقصة في العلوم الكونيّة.
ثمّ تقدّمت البحوث العلميّة الفلكيّة، وأثبتت دراسات علماء الفلك، أنّ الشّمس بالنّسبة إلى مجموعتها الدّائرة حولها، والّتي هي أسرتها، ذات وضع ثابت، لكنّها مع كلّ أسرتها تجري بحركة خاصّة في فلك أكبر ضمن المجرّة، فهي بالنّسبة إلى وضعها مع أسرتها في المجرّة جارية غير ثابتة.
وظهر بهذا صدق النّصّ القرآنيّ، ومطابقته للواقع، وظهر نقص الدّراسات الإنسانيّة السّابقة، بشأن هذا الموضوع عن مطابقته للواقع.
أمّا استعمال: إِلى في عبارة: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى في سورة (لقمان/ 57 نزول) بخلاف استعمال حرف اللّام في النّصوص الأخرى، فقد قال بشأنه كثير من المفسّرين: إنّ اللّام بمعنى"إلى"الدّالّة على الغاية، فهما يصلحان في موضع واحد والمخالفة تفنّن في النظم.