معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 764
أي: أَولم تر أيّها المتلقّي أنّ اللّه عزّ وجلّ خبير بما يعمل النّاس، فالاستفهام الّذي جاء في أوّل الآية، والّذي فيه معنى تلويم من لم يستفد ممّا جاء في نجوم التّنزيل السّابقة من كشف لما في نفوس النّاس، ولما يدبّر أعداء دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من مكايد ضدّه وضدّ دعوته، ولما يقولون بينهم سرّا، ومنها ما يلي:
(1) ما جاء في سورة (القمر/ 37 نزول) وهو قول اللّه تعالى فيها:
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) : أي: نحن إذا اجتمعنا ودبّرنا أمر مقاتلة الرّسول والّذين آمنوا به واتّبعوه، فإنّنا سنكون منتصرين، وبهذا نتخلّص من هذه الدّعوة الجديدة، وكان هذا سرّا بين كبرائهم، ففضحهم اللّه به، وأبان لهم أنّه خبير بما يعملون، وهذا من آياته الدّالّات على أنّه محيط بكلّ شيء علما.
(2) وما جاء في سورة (ص/ 38 نزول) وهو قول اللّه تعالى فيها:
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) : وكان كبراء مشركي مكّة يأتمرون سرّا بأن يعدّوا قواهم الحربيّة، ويعلنوا موقفهم الحربيّ المشاقّ للرّسول والّذين آمنوا معه، لقتالهم، والتّخلّص من دعوتهم، ففضح اللّه ما كان كبراء مشركي مكّة يأتمرون به، وأبان لهم أنّه تبارك وتعالى خبير بما يعملون سرّا، وبما يدبّرون من مكر وكيد، وهذا من آياته الدّالّات على أنّه محيط بكلّ شيء علما.
بهذا الفهم ندرك كيف جعل اللّه عزّ وجلّ خبرته بما يعمل النّاس آية من آياته في كونه، مع ما جاء في سوابق نجوم التّنزيل من أنّ اللّه بكلّ شيء عليم، وأنّه محيط بكلّ شيء علما، وأنّه لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات والأرض.
وأضاف اللّه عزّ وجلّ بعد ذكره الآيات الثّلاث الّتي سبق شرحها