معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 29
ما قيمة النّفي الذي لا دليل يقترن به، تجاه الإثبات الّذي يقترن بحجج ترجّحه، بل ببراهين تجعله حقّا مقطوعا به، ولا يعتريه شكّ ما؟!
قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته، معلّما ما يردّ به على نفاة السّاعة بغير دليل:
* قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) :
سبق في نجوم التّنزيل بيان الأدلّة العقليّة الّتي تثبت البعث ويوم الدّين، بعد ظروف الحياة الدنيا كلّها، وتردّ على تعجّب المنكرين، وعلى شبهاتهم بشأن البعث، وقد جاء هذا في عدّة سور سبق تدبّرها.
وفي مواجهة إصرار المنكرين على النّفي المجرّد، اقتضت الحكمة مقابلتهم بإسقاط مقولتهم الباطلة، وتأكيد ضدّها بالقسم بالرّبّ المهيمن بصفات ربيّته على عباده، فجاء في التّعليم: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
* بَلى: أي: مقولتكم كاذبة، مرفوضة وساقطة، فليس الحقّ والواقع ما تدّعون، بل الحقّ الّذي سوف يكون حتما هو نقيضه، وأقسم لكم بربّي الّذي هو ربّكم وربّ كلّ شيء في الكائنات سواه لَتَأْتِيَنَّكُمْ ساعة البعث ليوم الدّين، الّذي سوف تلاقون فيه محاسبتكم، وفصل قضاء اللّه فيكم، وجزاءكم على ما أسلفتم في رحلة امتحانكم في الحياة الدّنيا.
ولا تتصوّروا أنّ أعمالكم خافية على ربّكم، بل هي معلومة له صغارها وكبارها، سرّها وعلنها، باطنها وظاهرها.
كيف يخفى عليه ما كسبتم وما تكسبون من أعمال ظاهرة في الجوارح، وباطنة في السّرائر، وهو عالم الغيب كلّه لا يبعد ولا يخفى عليه مثقال ذرّة في السّماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذرّة ولا