معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 36
ثمّ صار دعاتهم إلى الضّلال، يعرضون هذه المقالة بأسلوب فيه مزيد خداع دعائيّ، إبّان نزول سورة (سبإ/ 58 نزول) قائلين في تضليلهم لمن يستمع إليهم قولا مقرونا بالسّخرية والاستهزاء:
* .. هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ... (8) :
* مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ: أي: جزّئتم وفرّقتم غاية التّجزئة والتّفريق في تراب الأرض."ممزّق"، مصدر ميميّ للتّمزيق.
يقال لغة:"مزّق الشّيء، تمزيقا، وممزّقا"أي: بالغ في تجزئته وتفريق بعضه عن بعض.
كُلَّ مُمَزَّقٍ: أي: كلّ تمزيق يمكن أن يحصل فيه، والمعنى: إذا مزّقتم تمزيقا كلّ تمزيق، لا بعض تمزيق. فلفظ"كلّ"نائب عن مفعول مطلق.
إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: أي: إنّكم لتخلقون خلقا جديدا، تكون لكم فيه حياة أخرى بعد الموت والفناء.
إنّ مضمون عبارتهم الجديدة، المفخّمة المنفوخة بأسلوب إعلاميّ، لا يختلف عن مضمون قولهم السّابق، فلا شيء فيه يستدعي مناظرة فكريّة، ولا يتضمّن شبهة جديدة تتطلّب بيانا إقناعيّا يزيلها ويكشف الحقّ بجلاء، وقد سبق في نجوم التّنزيل البيان الإقناعيّ المقرون بالبرهان.
وللإشعار بأنّ مقولتهم القائمة على مجرّد التّعجّب والاستغراب، مقولة صارت مقبولة لدى المستمعين إليهم، بنوا عليها قولهم في شتيمة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم:
* أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ:
الجنّة: الجنون.