معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 37
أي: إنّ هذا القول العجيب الغريب المستنكر لا يقوله إلّا أحد اثنين: من يفتري على اللّه كذبا، ومن به جنون، فإمّا أن يكون محمّد سويّ الفكر إلّا أنّه يكذب على اللّه كذبا افترائيّا يختلقه اختلاقا من عنده، وإمّا أن يكون قد أصابه الجنون، فهو يقول أقوالا لا تقبلها العقول.
وبما أنّهم لم يأتوا بجديد بشأن قضيّة البعث، واقتصرت مقالتهم على ترديد ما سبق دفعه بالبرهان العقلي.
وبالنّظر إلى ما أضافوه من شتيمة للرّسول، كان من الحكمة في العلاج بيان أنّهم في محيط من الضّلال البعيد عن مواقع الحقّ والهدى، فقال اللّه عزّ وجلّ في التّنزيل العلاجيّ مبيّنا ومنذرا:
بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) :
وقال اللّه عزّ وجلّ منذرا بعذاب يكون به هلاكهم في الدّنيا قبل عذاب الآخرة:
* أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) :
في هذا البيان نظرات غضب من إصرارهم على كفرهم العناديّ، الّذي ليس لهم فيه شبهة تعطيهم عذرا بنسبة واحد في المئة، بل هم يتّبعون أهواءهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء، استكبارا عن اتّباع الحقّ.
* أَفَلَمْ يَرَوْا: أي: أنطمست أبصارهم وبصائرهم فلم يروا بأعينهم ولا بعقولهم.
* إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ: أي: ناظرين إلى ما خلقه اللّه في كونه، من السّماء والأرض، وهو بالنّسبة إليهم بعضه